ابن قيم الجوزية
149
البدائع في علوم القرآن
إليه من الحلوى ، وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم يدع كلبا واحدا يتناول منها شيئا إلا هو عليه وقهره ، لحرصه وبخله وشرهه ، ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة ، وثياب دنية ، وحال رزية نبحه ، وحمل عليه ، كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته قوته ، وإذا رأي ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورئاسة وضع له خطمه بالأرض ، وخضع له ، ولم يرفع إليه رأسه . وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على اللّه والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سر بديع : وهو أن هذا الذي حاله ما ذكره اللّه من انسلاخه من آياته ، واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا ، لانقطاع قلبه عن اللّه ، والدار الآخرة ، فهو شديد اللهف عليها ، ولهفه : نظير لهف الكلب الدائم ، واللهف واللهث شقيقان ، وأخوان في اللفظ والمعنى . قال ابن جريج : الكلب منقطع الفؤاد ، لا فؤاد له : إن تحمل عليه يلهث ، أو تتركه يلهث . فهو مثل الذي يترك الهدى ، لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع « 1 » . قلت : مراده بانقطاع فؤاده : أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر ، وترك اللهث ، وهكذا الذي انسلخ من آيات اللّه لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا ، وترك اللهف عليها ، فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها ، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء ، فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن الماء ، وإذا عطش أكل الثري من العطش ، وإن كان فيه صبر على الجوع ، وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثا ، يلهث قائما وقاعدا وماشيا وواقفا ، وذلك لشدة حرصه ، فحرارة الحرص في كبده وتوجب له دوام اللهث ، فهكذا مشبهه : شدة الحرص ، وحرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهف فإن حملت عليه بالموعظة والنصيحة ، فهو يلهف ، وإن تركته ولم تعظه ، فهو يلهف . قال مجاهد : وذلك مثل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به . وقال ابن عباس : إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها ، وإن تركته لم يهتد إلى خير ، كالكلب إن كان رابضا لهث ، وإن طرد لهث . وقال الحسن : هو المنافق لا يثبت على الحق ، دعي أو لم يدع ، وعظ أو لم يوعظ ، كالكلب يلهث طرد أو ترك . وقال عطاء : ينبح إن حملت عليه ، أو لم تحمل عليه .
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري ( 9 / 129 ) .